جعفر آل ياسين

35

الفارابي في حدوده ورسومه

وسلوكه هي بأعينها قول أفلاطون ومآخذه وسلوكه ، وذلك محال وشنيع . ولكنا ندّعي أنّه لا خلاف بينهما في الأصول والمقاصد » « 33 » ! ولا أحسبني أسرف في التأويل والتخريج إذا قلت أنّ الفارابي في تحليله لطرائق الألفاظ وحدودها كان حقا هو فيلسوف المعاني في العربية غير منازع - حيث يحاول المساوقة بين دلالة اللفظ في اللسان ودلالة معناه في النفس ؛ فهما - في رأيه - يقترنان معا في هذه الحال : لسانا ونفسا ؛ فيذكر « إنّ القول المؤتلف يأتلف من جزءين ، كذلك المقترن في النفس يأتلف من معنيين ؛ أحد المعنيين هو الذي دلّ عليه الجزء الذي هو الموصوف ، والمعنى الآخر هو الذي دلّ عليه جزء القول الذي هو الصفة . مثال ذلك قولنا : الشمس طالعة ، فإنّ المعنى المفهوم من الطالع اقترن في النفس إلى المعنى المفهوم من الشمس ، فحصل اقتران من معنيين هما أجزاء المقترن : أحدهما معنى الجزء الذي هو الصفة ، والآخر معنى الجزء الذي هو الموصوف . فالمعنى المفهوم من الموصوف يسمّى أيضا المعنى الموصوف ، والمفهوم من الصفة يسمّى المعنى الذي هو الصفة . . . والمعاني المفهومة عن الأسماء منها ما شأنها أن تحمل على أكثر من موضوع واحد ، وذلك مثل المعنى المفهوم من قولنا إنسان ، فإنّه يمكن أن يحمل على زيد وعلى عمرو وغيرهما . . . ومنها ما ليس من شأنها أن تحمل على أكثر من موضوع واحد ؛ لكن إمّا أن لا تحمل أصلا وإمّا إذا حملت حملت على واحد فقط ، وذلك مثل المعاني المفهومة من قولنا زيد وعمرو وهذا الفرس وهذا الحائط ، وكلّ ما أمكنت الإشارة إليه وحده ، مثل هذا البياض وهذا السواد ، وذلك المقبل وهذا الداخل » « 34 » . فكأنّ الفارابي يريد أن يقول إنّ الهدف من المعنى هو ايجاد الحدّ في جواب

--> ( 33 ) انظر : الفارابي - المصدر السابق ، ص 88 . ( 34 ) انظر : الفارابي - الألفاظ المستعملة في المنطق ، تحقيق د . محسن مهدي ، بيروت 1968 ، ص 57 - 59 .